عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

71

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي

عَلَى العبد من طلب المال ، وضررُه أعظمُ ، والزهدُ فيه أصعبُ ، فإِنَّ المال يبذلُ في طلبِ الرياسةِ والشَّرفِ . والحرصُ عَلَى الشَّرفِ عَلَى قسمين : أحدهما : طلبُ الشَّرفِ بالولايةِ والسُّلطانِ والمال . وهذا خطرٌ جدًّا ، وهو الغالبِ ، يمنعُ خيرَ الآخرةِ وشَرَفَها وكرامَتها وعزَّها . قال الله تعالى : { تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا . . . } ( 1 ) الآية . وقلَّ مَنْ يحرصُ عَلَى رياسةِ الدُّنْيَا بطلبِ الولاياتِ فوفق ؛ بل يُوكلُ إِلَى نفسهِ ، كما قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لعبد الرحمنِ بن سمرةَ : " يا عبدَ الرحمنِ ، لا تسألِ الإمارةَ ، فإِنَّكَ إِن أُعْطيتَهَا عن مَسألةٍ وُكّلتَ إليها ، وإنْ أُعْطيتَهَا من غير مسألةٍ أُعنتَ عليها " ( 2 ) . قال بعضُ السَّلفِ : ما حرصَ أحدٌ عَلَى ولايةٍ فعدل فيها . وكان يزيدُ بنُ عبد الله بن وهبٍ من قضاةِ العدلِ والصَّالحين ، وكان يقولُ : من أَحَبَّ المالَ والشَّرفِ وخافَ الدوائِرَ لم يعدلْ فيها . وفي " صحيح البخاريّ " ( 3 ) عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قالَ : " إِنكم سَتحرصونَ عَلَى الإمارة ، وستكونُ ندامةً يوم القيامةِ ، فنعم المرضعةُ ، وبئستِ الفاطمة " . وفيه ( 4 ) - أيضاً - عن أبي موسى الأشعريِّ " أنَّ رجلين قالا للنبي - صلى الله عليه وسلم - : يا رسول الله ، أَمَّرنا . قال : إِنَّا لاَ نولِي أَمرَنَا هذا من سأَلَه ، ولا من حرصَ عليه " .

--> ( 1 ) القصص : 83 . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 6622 ) ، ومسلم ( 1652 ) . ( 3 ) برقم ( 7148 ) . ( 4 ) أخرجه البخاري ( 7149 ) ، ومسلم ( 1733 ) .